السيد الطباطبائي

78

تفسير الميزان

وشئ من العلل والأسباب ومنها الانسان لا يريد غاية ولا يفعل فعلا إلا إذا كان ملائما لنفسه حاملا لما فيه نفعه وسعادته ، وما ربما يتراءى من خلاف فإنما هو في بادئ النظر لا بحسب الحقيقة وفي نفس الامر . هذا كله ما يقتضيه التدبر وإيفاء النظر من معنى قوله " كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة " الخ ، وهو يدور مدار كون " فريقا هدى " الخ ، حالا مبينا لوجه الشبه والمعنى المشترك بين البدء والعود سواء أخذنا الكلام مستأنفا أو واقعا موقع التعليل متصلا بما قبله . وأما جمهور المفسرين فكأنهم متسالمون على أن قوله : " فريقا هدى " حال مبين لكيفية العود فحسب دون العود والبدء جميعا ، وأن المعنى المشترك الذي هو وجه تشبيه العود بالبدء أمر آخر وراءه إلا من فسر البدء بالحياة الدنيا والخلق الأول كما تقدم وسيجئ ، وكان ذلك فرارا منهم عن لزوم الجبر المبطل للاختيار مع احتفاف الكلام بالأوامر والنواهي ، وقد عرفت أن ذلك غير لازم . وبالجملة فقد اختلفوا في وجه اتصال الكلام بما قبله بعد التسالم على ذلك فمن قائل : أنه إنذار بالبعث تأكيدا للأحكام المذكورة سابقا ، واحتجاج عليه بالبدء فالمعنى : ادعوه مخلصين فإنكم مبعوثون مجازون ، وإن بعد ذلك في عقولكم فاعتبروا بالابتداء واعلموا أنه كما بدأكم في الخلق الأول فإنه يبعثكم فتعودون في الخلق الثاني . وفيه أنه مبني على أن تشبيه العود بالبدء في تساويهما بالنسبة إلى قدرة الله ، وأن النكتة في التعرض لذلك هو الانذار بالمجازاة ، والسياق المناسب لهذا الغرض أن يقال : كما بدأكم يبعثكم فيجازيكم بوضع بعثه تعالى موضع عود الناس والتصريح بالمجازاة التي هي العمدة في الغرض المسوق لأجله الكلام كما صنع ذلك القائل نفسه فيما ذكره من المعنى ، والآية خالية من ذلك . ومن قائل : أنه احتجاج على منكري البعث ، واتصاله بقوله تعالى قبل عدة آيات : " فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون " . فقوله : " كما بدأكم تعودون " معناه فليس بعثكم بأشد من ابتدائكم .